شهد قصر قرطاج بعد ظهر يوم الثلاثاء 24 سبتمبر 2025 اجتماعاً مهماً جمع رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي. وقد خُصّص اللقاء أساساً لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي من المنتظر أن يرسم الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية والمالية للدولة في المرحلة المقبلة.
وخلال هذا اللقاء، شدّد رئيس الجمهورية على ضرورة أن يكون مشروع قانون المالية القادم تجسيداً فعلياً للدور الاجتماعي للدولة، وأن يُسهم في تعزيز العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والتهرّب الجبائي، مع إيلاء الأولوية القصوى لتطلعات الفئات المهمشة التي عانت من البطالة والإقصاء.
العدالة الاجتماعية في صلب أولويات الرئيس
من أبرز النقاط التي ركّز عليها قيس سعيّد خلال الاجتماع، أنّ مشروع قانون المالية الجديد يجب أن لا يقتصر على الأرقام والمعادلات المالية الباردة، بل أن يكون انعكاساً لتوجّه الدولة نحو العدالة الاجتماعية.
وأكد أنّ العدالة لن تتحقق إلا عبر تصورات جديدة تبتعد عن الحلول التقليدية التي أثبتت محدوديتها، داعياً إلى صياغة سياسات مالية مبتكرة تراعي احتياجات الشعب، وخاصة الفئات الضعيفة والمهمشة.
وأشار الرئيس إلى أنّ إعادة توزيع الموارد يجب أن يتم وفق معايير تضع في أولوياتها خدمة من عانوا طويلاً من البطالة والحرمان، مع التأكيد على تقليص النفقات غير المجدية لبعض المؤسسات التي “لا طائل من وجودها”، على حد تعبيره.
محاربة الفساد والتهرب الجبائي
أفرد رئيس الجمهورية جانباً مهماً من خطابه للحديث عن الفساد المالي والتهرّب الجبائي، وهما من أبرز العوائق التي حالت دون نهوض الاقتصاد الوطني لعقود طويلة.
وانتقد بشدة أداء لجنة التحاليل المالية التي، وفق قوله، لم تقم بدورها كما يجب في تتبع الأموال المشبوهة والشبكات التي تنشط خارج القانون.
كما جدّد دعوته إلى مواجهة التهرّب الضريبي الذي يحرم خزينة الدولة من موارد هامة، مذكّراً بأنّ مواجهة هذه الظاهرة ليست مجرد إجراء مالي بل هي معركة سيادية تهدف إلى استعادة حقوق الشعب.
الرد على خطاب الأزمة
لم يتردد قيس سعيّد في انتقاد الأصوات التي تروّج لما وصفه بـ"خطاب الأزمة". واعتبر أنّ بعض الأطراف الداخلية تتحرك وفق أجندات خارجية لإرباك الوضع الاقتصادي والسياسي في تونس.
وقال الرئيس إن هؤلاء "يلوذون بالصمت حيناً ثم يحرّكون فجأة في توقيت متزامن"، في إشارة إلى محاولات التأثير الممنهج على الرأي العام. وأكد أنّ الشعب التونسي، بوعيه الوطني، أحبط هذه المناورات وكشف ارتباطاتها المشبوهة.
الإرث الثقيل لعقود من الاستيلاء على مقدرات الشعب
أشار رئيس الجمهورية إلى أنّ ما تعيشه تونس اليوم من صعوبات ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة عقود طويلة من الاستيلاء على مقدرات الشعب وغياب السياسات الرشيدة.
وشدد على أنّ الواجب الوطني يحتم على الجميع تجاوز هذا الإرث الثقيل عبر العمل الجاد والإرادة الصلبة، مشيراً إلى أنّ الشباب التونسي سيكون في صلب المعركة من أجل فتح آفاق جديدة للتنمية الحقيقية.
وأكد أنّ الدولة ستواصل العمل ليل نهار لتوفير الظروف الملائمة للنمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، وإعادة الأمل لفئات واسعة فقدت الثقة في المؤسسات طيلة السنوات الماضية.
التحرر الفعلي والتخلّص من أدران الماضي
من أبرز الرسائل التي وجّهها الرئيس خلال اللقاء، تأكيده أنّ تونس ماضية في مسار التحرر الفعلي من التبعية والضغوطات الخارجية، وأنها لن تقبل أنصاف الحلول.
وقال إن الشعب التونسي لا يمكن أن يرضى إلا بالحرية والكرامة والاستقلال، ولن يقبل "بترقيع مكذوب أو حلول وسطية".
كما شدّد على أنّ رفع الراية الوطنية عالية تحت كل سماء سيظل الهدف الأسمى، وأن العزيمة الثابتة للشعب ستُبدد كل الصعاب.
قراءة في الرسائل السياسية للرئيس
1- البعد الاجتماعي والاقتصادي
كلمة الرئيس حملت تأكيداً على أنّ البعد الاجتماعي سيكون المحور الأساسي لمشروع قانون المالية 2026. وهو توجه ينسجم مع المطالب الشعبية بضرورة تحسين الأوضاع المعيشية، خصوصاً في ظل ارتفاع نسب البطالة وتدهور القدرة الشرائية.
2- البعد السياسي
لم يخلُ الخطاب من رسائل سياسية واضحة تجاه الخصوم، سواء في الداخل أو الخارج. فالرئيس أشار بوضوح إلى وجود محاولات للتشويش على مسار الدولة من قبل أطراف "تفتعل الأزمات"، وهو ما يعكس إصراره على مواجهة أي محاولات لإضعاف موقعه أو إرباك مؤسسات الدولة.
3- البعد السيادي
أبرز ما شدّد عليه قيس سعيّد هو أنّ تونس قادرة على التعويل على إمكانياتها الذاتية بعيداً عن الإملاءات الخارجية. وهي رسالة سيادية تعكس رفضه لأي تبعية سياسية أو اقتصادية قد تمس باستقلال القرار الوطني.
مشروع قانون المالية 2026: رهانات وتحديات
يمثل مشروع قانون المالية لسنة 2026 تحدياً كبيراً للحكومة التونسية في ظل وضع اقتصادي صعب يتميز بعجز الميزانية وتراجع الموارد المالية.
ومن أبرز الرهانات المطروحة:
مكافحة التهرب الضريبي: الذي يكلّف الدولة سنوياً مئات الملايين من الدنانير.
تقليص النفقات العمومية: خصوصاً تلك الموجهة لمؤسسات لا تقدّم قيمة مضافة حقيقية.
تحفيز الاستثمار: عبر توفير مناخ قانوني ومالي مشجع لرأس المال الوطني والأجنبي.
خلق فرص عمل: استجابة لمطالب الشباب العاطل عن العمل، خاصة في الجهات الداخلية.
ضمان العدالة الجبائية: حتى لا يتحمل العبء الضريبي المواطن البسيط فقط.
الخلاصة:
الاجتماع الذي احتضنه قصر قرطاج لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل كان مناسبة لتحديد ملامح المرحلة المقبلة في السياسة المالية والاقتصادية لتونس.
وقد حرص الرئيس قيس سعيّد على توجيه رسائل قوية تؤكد أنّ الدولة لن تحيد عن مسار العدالة الاجتماعية، ولن تتهاون في مواجهة الفساد والتهرب الجبائي.
ورغم التحديات الجسيمة، فإنّ الرهان الأكبر يبقى على وعي الشعب وإرادته في تجاوز الصعاب وبناء مستقبل يقوم على الحرية والكرامة والسيادة الوطنية.
وبقدر ما يُنتظر من مشروع قانون المالية لسنة 2026 أن يترجم هذه التوجهات عملياً، بقدر ما ستكون الفترة المقبلة اختباراً جدياً لمدى قدرة الدولة على تحويل الشعارات إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
Tags:
أخبار