الرئيس قيس سعيّد يؤكد على الانسجام الحكومي واسترجاع أموال الشعب: “تونس ستبقى موحدة ولن تُخيب آمال شعبها”
في لقاء جديد يعكس ملامح المرحلة الحساسة التي تمرّ بها البلاد، استقبل رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد يوم أمس، 27 أكتوبر 2025، بقصر قرطاج، رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري.
وقد خُصّص هذا اللقاء لمتابعة الوضع العام في البلاد، ولتأكيد رئيس الدولة على مجموعة من المبادئ الأساسية التي يراها ضرورية في إدارة الشأن العام، وعلى رأسها الانسجام داخل الحكومة والمرافق العمومية، وضرورة أن تكون الدولة في خدمة المواطنين لا العكس.
🔹 انسجام حكومي من أجل تونس جديدة
ذكّر رئيس الجمهوريّة خلال اللقاء بضرورة تحقيق مزيد من الانسجام في العمل الحكومي، مشيرًا إلى أنّ تونس تعيش اليوم مرحلة تاريخيّة فارقة تتطلّب من الجميع مسؤولية وصدقًا في العمل.
وأكد أن القرارات الجاري إعدادها تهدف إلى تحقيق تطلعات الشعب التونسي الذي ينتظر إصلاحات حقيقية تعيد للدولة دورها الاجتماعي وتُعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
وشدّد سعيّد على أنّ الدولة التونسية لن تتراجع عن دورها الاجتماعي، معتبرًا أنّ من واجبها أن تضمن لكلّ تونسي وتونسية الحق في الكرامة والعمل والعدالة الاجتماعية، مؤكدًا في الآن ذاته أنّه لن يكون هناك تهاون مع من أفسد أو نهب المال العام.
🔹 لا تراجع عن المحاسبة واسترجاع أموال الشعب
في هذا السياق، جدّد رئيس الدولة تأكيده على أنّ من أفسد أو خرّب لن يفلت من المحاسبة، مشيرًا إلى أنّ أموال الشعب التونسي يجب أن تُعاد كاملة دون نقصان لأنّها حق مشروع لا يمكن التنازل عنه.
وأضاف: "من اختار طريقًا أخرى وارتمى في أحضان الاستعمار أو خدم أجنداته، فسيكون محلّ مساءلة عاجلًا أو آجلًا"، في إشارة إلى بعض الأطراف التي يسعى من خلالها إلى تطهير الساحة الوطنية من شبكات الفساد والتبعية.
واعتبر سعيّد أنّ المحاسبة ليست انتقامًا بل هي استحقاق وطني، وأنّ “العدالة لا يمكن أن تتحقق دون كشف الحقائق وإرجاع الحقوق إلى أصحابها”، مؤكّدًا على أنّ الدولة لن تتهاون في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
🔹 رفض تسيير الدولة من العالم الافتراضي
وفي حديثه عن الوضع السياسي والإعلامي، أشار رئيس الجمهوريّة إلى أنّ الدولة لا تُدار بالعالم الافتراضي، في تلميح واضح إلى الحملات الإلكترونية التي تستهدف مؤسسات الدولة وتبثّ الشكوك في الشارع التونسي.
وقال سعيّد: "الشعب التونسي بوعيه وتلاحمه وتمسّكه بسيادته قادر على إحباط كلّ محاولات الإرباك والتشكيك المدفوعة الأجر والمعروفة المصدر والمكشوفة الأهداف".
تصريحات الرئيس جاءت لتؤكد أنّ المعركة ضد التضليل الإعلامي أصبحت من أولويات المرحلة، وأنّ حماية الوعي الجمعي من الأخبار الزائفة لا تقلّ أهمية عن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تُعدّ الحكومة لتنفيذها.
🔹 متابعة دقيقة للوضع العام في البلاد
من ناحية أخرى، أكّد رئيس الجمهورية على متابعته المستمرة للأوضاع العامة في تونس، لاسيّما في الجهات الداخلية التي تعاني من مشاكل تنموية وبيئية متراكمة منذ سنوات.
وأشار في هذا الإطار إلى عدد من الدراسات التي أعدها المواطنون في بعض المناطق، وخصّ بالذكر الوضع البيئي في مدينة قابس، مبدياً إعجابه بروح المبادرة التي أظهرها الأهالي في مواجهة التحديات.
وقال سعيّد إنّ تلك الدراسات تعبّر عن روح وطنية عالية وتُبرز رغبة التونسيين في المساهمة في بناء مستقبلهم بأيديهم، مضيفًا: “أُحيّي أبناء قابس على وعيهم، وعلى قدرتهم على تحويل الألم إلى طاقة إيجابية، كما أُحيّي كل أبناء الشعب في مختلف الجهات الذين لا يزالون يؤمنون بتونس الحرّة الموحّدة”.
🔹 نحو حلول واقعية وتنمية متوازنة
شدّد رئيس الدولة على أنّ الحلول قادمة، وأنّ كلّ تونسي سيجد مكانه في مشروع وطني جديد يقوم على العدالة والمساواة بين الجهات.
وأكد أنّ “كلّ مواطن سيسترجع حقّه الطبيعي في الحياة الكريمة، وحقّه في بناء مستقبله كما يريد، بعيدًا عن الإقصاء أو الظلم أو الفساد”.
وأشار إلى أنّ المرحلة القادمة ستكون مرحلة تنفيذ الإصلاحات الكبرى، بدءًا من إصلاح المنظومة الاقتصادية مرورًا بتعصير الإدارة العمومية، ووصولًا إلى إعادة النظر في توزيع الثروات والموارد بما يضمن العدالة بين كلّ مناطق البلاد.
وقال سعيّد في ختام حديثه: "سيتنفس كل تونسي هواء نقيًّا خاليًا من كل أنواع التلوث، المادي والمعنوي، وسنواصل العمل من أجل أن تبقى تونس موحّدة وقويّة وقادرة على مجابهة كلّ التحديات".
🔹 قراءة تحليلية: رسائل اللقاء وأبعاده السياسية
يُعدّ هذا اللقاء بين رئيس الجمهورية ورئيسة الحكومة إشارة سياسية قوية تحمل أكثر من دلالة:
فهو من جهة تأكيد على أنّ السلطة التنفيذية تعمل ضمن رؤية موحّدة يقودها الرئيس، وأنّ أيّ تباين داخل الحكومة يجب تجاوزه خدمة للمصلحة الوطنية.
ومن جهة أخرى، فإنّ حديث سعيّد عن الانسجام والمحاسبة يعكس حرصه على تطهير الإدارة من الفساد وعلى ترسيخ قيم الانضباط والنزاهة في المرافق العمومية.
كما أن حديثه عن "العالم الافتراضي" يشير إلى قلقه من التأثير السلبي للإشاعات على استقرار البلاد، وهو تذكير ضمني بأنّ معركة الوعي لا تقلّ أهمية عن المعارك الاقتصادية.
المتابعون للشأن السياسي يرون في هذه التصريحات رسائل موجّهة إلى الداخل والخارج، مفادها أنّ تونس ماضية في نهج السيادة الوطنية وأنها لن ترضخ لأيّ ضغوط، مهما كانت طبيعتها أو مصدرها.
🔹 ثقة في الشعب وإيمان بالمستقبل
على الرغم من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه تونس، بدا الرئيس سعيّد في كلماته واثقًا من قدرة الشعب على الصمود، مؤكدًا أن التونسيين أثبتوا في أكثر من محطة أنهم قادرون على حماية وطنهم من الفتن والمؤامرات.
وختم قائلاً: “تحية خالصة لوطنية أبناء هذا الشعب العظيم، وتحية صادقة إلى كلّ التونسيين داخل الوطن وخارجه، فهم الحصن المنيع لتونس، وهم صمّام أمانها”.
اللقاء بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري أعاد التأكيد على أن تونس تعيش مرحلة مفصلية في تاريخها، وأنّ الرهان اليوم هو على توحيد الصفوف واسترجاع ثقة الشعب في مؤسسات دولته.
فبين محاربة الفساد، وضمان العدالة الاجتماعية، وإرساء سيادة وطنية حقيقية، تبدو الطريق أمام الدولة التونسية مليئة بالتحديات، لكنها أيضًا حافلة بالأمل والإرادة.
فهل تنجح الحكومة والرئاسة في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن ما هو مؤكّد أن تونس لن تعود إلى الوراء، وأنّ الإرادة الشعبية تبقى أقوى من كل محاولات الإرباك.
Tags:
أخبار