قيس سعيّد: "استعادة توازن الصناديق الاجتماعية ومحاسبة المتحايلين واجب وطني"
في إطار متابعته الدورية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد يوم 27 أكتوبر 2025 بقصر قرطاج، وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، حيث تناول اللقاء الوضع الراهن للصناديق الاجتماعية في تونس، وفي مقدمتها الصندوق الوطني للتأمين على المرض (CNAM).
جاء هذا اللقاء في وقت تعرف فيه تونس تحديات اقتصادية واجتماعية متشابكة، تتعلق خاصة بملف التغطية الاجتماعية وتمويل الصناديق العمومية، التي تعتبر من الركائز الأساسية لضمان حقوق الشغالين والمتقاعدين وتكريس مبدأ التضامن الوطني.
🔹 إصلاح شامل لمنظومة الصناديق الاجتماعية
أكد رئيس الجمهورية خلال اللقاء على ضرورة استعادة الصناديق الاجتماعية لتوازناتها المالية والإدارية، مشيرًا إلى أن هذه المؤسسات وُجدت من أجل خدمة المواطن التونسي وتأمين حقوقه الصحية والاجتماعية، وليس لتصبح عبئًا على ميزانية الدولة أو ساحة للتجاذبات السياسية.
وشدد سعيّد على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تطوير التشريعات المنظمة لهذه الصناديق، حتى تتمكن من أداء مهامها بفعالية واستدامة. وقال:
> “لا يمكن أن تستمر الصناديق الاجتماعية في وضعها الحالي، ولا بد من مراجعة القوانين بما يضمن استمراريتها وعدالتها بين الأجيال.”
وأضاف رئيس الدولة أنّ إصلاح هذه المؤسسات مسؤولية وطنية تتطلّب شجاعة في اتخاذ القرارات، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الضغوطات النقابية والسياسية، لأن الهدف الأساسي هو حماية حقوق المواطن وضمان كرامته.
🔹 الصندوق الوطني للتأمين على المرض في قلب الاهتمام
كان الصندوق الوطني للتأمين على المرض محورًا أساسيًا في حديث الرئيس، لما يمثله من عنصر أساسي في المنظومة الصحية التونسية. فقد أشار سعيّد إلى أنّ هذا الصندوق يعاني منذ سنوات من اختلالات مالية وهيكلية أثرت سلبًا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى علاقته بمقدمي الخدمات الصحية العمومية والخاصة.
وأكد على أن الدولة لن تتخلى عن واجبها في إصلاح الصندوق واستعادة دوره الطبيعي، وأنّ الإصلاح لن يكون مجرد وعود بل خطوات عملية تشريعية وإدارية تُنفذ تدريجيًا وفق رؤية شاملة.
كما شدّد الرئيس على أنّ الهدف ليس فقط تسوية العجز المالي، بل أيضًا تحسين مستوى الخدمات الطبية والاجتماعية وضمان حق كل مواطن في العلاج اللائق والضمان الاجتماعي العادل.
🔹 منع المناولة وتطبيق القانون على الجميع
من المحاور المهمة التي تطرق إليها رئيس الجمهورية خلال اللقاء مسألة المناولة في القطاع العمومي، وهو ملف أثار جدلاً واسعًا في السنوات الأخيرة بسبب ما يسببه من استغلال للعمال وهشاشة في التشغيل.
قال سعيّد في هذا الصدد إنّ قانون الدولة التونسية يجب أن يُطبّق على الجميع دون استثناء، مؤكّدًا أنّ الدولة لن تسمح بالتحايل على القانون أو الالتفاف عليه عبر صيغ تشغيل مشبوهة تحت عنوان "المناولة".
وأشار إلى أنّه تمّت تسوية وضعيات حوالي 82 ألف عامل وعاملة كانوا في وضع هشّ، وهو إنجاز يعكس حرص الدولة على حماية كرامة الشغالين وضمان حقوقهم.
وأضاف الرئيس أنّ من يسعى للتحايل أو عرقلة تطبيق القانون سيُحاسَب دون تهاون، لأنّ العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق في ظلّ استمرار الممارسات القديمة التي تقوم على استغلال الفقراء والكادحين.
🔹 رؤية الرئيس سعيّد للعدالة الاجتماعية
من خلال تصريحاته المتكررة، يتضح أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد يسعى إلى ترسيخ نموذج جديد للعدالة الاجتماعية في تونس، يقوم على المساواة الفعلية وتكافؤ الفرص.
فهو يعتبر أن الحقوق الاجتماعية جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية، وأنّ الدولة القوية هي تلك التي تضمن لكلّ مواطن حقه في العلاج، وفي التقاعد، وفي ظروف عيش كريمة.
ويؤكد سعيّد في كل مناسبة أنّه لا يمكن بناء تونس جديدة على أسس الظلم أو الامتيازات غير المشروعة، مشددًا على أن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى، وأنّ الشفافية والمساءلة هما الطريق الوحيد لبناء الثقة بين المواطن والدولة.
🔹 أزمة الصناديق الاجتماعية: خلفيات وتحديات
من المعروف أنّ الصناديق الاجتماعية في تونس، وخاصة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصندوق التأمين على المرض، تواجه منذ سنوات صعوبات مالية حادّة بسبب اختلال التوازن بين المداخيل والمصاريف.
وقد ساهمت عدة عوامل في هذه الأزمة، من بينها:
تأخر الدولة في خلاص مساهماتها.
ارتفاع عدد المتقاعدين مقابل تراجع عدد النشطين.
ضعف استخلاص المساهمات من المؤسسات الخاصة.
سوء التصرف والفساد الإداري في بعض الفترات.
هذه العوامل أدّت إلى عجز مالي مزمن جعل الصناديق تعتمد بشكل متزايد على تمويل الدولة، وهو ما أثّر على التوازن العام للمالية العمومية.
🔹 إصلاحات مرتقبة لضمان الاستدامة
يرى مراقبون أن تصريحات رئيس الجمهورية تندرج في إطار إرادة سياسية واضحة لإصلاح شامل للمنظومة الاجتماعية، يشمل إعادة هيكلة الصناديق وتطوير طرق تمويلها وتعصير خدماتها عبر الرقمنة والحوكمة الرشيدة.
ومن المنتظر أن يشمل الإصلاح أيضًا:
تعديل التشريعات المنظمة للمساهمات والتقاعد.
مراجعة منظومة الدعم الاجتماعي لتكون أكثر عدالة وفاعلية.
تعزيز الرقابة على المؤسسات لضمان استخلاص المساهمات بانتظام.
تحسين الخدمات الرقمية لتسهيل تعامل المواطنين مع الصناديق.
🔹 إشادة بالمجهودات الحكومية
في سياق آخر، عبّر الرئيس عن تقديره للمجهودات المبذولة من طرف وزارة الشؤون الاجتماعية في تسوية أوضاع العمال الهشّين، داعيًا إلى تسريع نسق الإصلاحات ومواصلة العمل الميداني المباشر لمعاينة المشاكل من داخل المرافق الاجتماعية.
وأكد أنّ الدولة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام معاناة فئات واسعة من المجتمع، خاصة في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها البلاد، داعيًا إلى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وضمان التغطية الصحية الشاملة.
🔹 رسالة إلى من يحاولون تعطيل الإصلاح
في ختام اللقاء، وجّه رئيس الجمهورية رسالة واضحة مفادها أنّ محاولات تعطيل الإصلاح أو عرقلة تطبيق القانون لن تُجدي نفعًا، لأنّ الشعب التونسي أصبح واعيًا ويطالب بالعدالة والشفافية.
وقال سعيّد:
> “من يتحايل على القانون أو يسعى لعرقلة قرارات الدولة لن يفلت من المحاسبة، فالمسؤولية اليوم أمام الشعب والتاريخ.”
كما جدّد تأكيده على أنّ العمل الاجتماعي في تونس يجب أن يقوم على التضامن والتكافل، لا على المحسوبية أو التلاعب بالحقوق، مضيفًا أنّ كلّ مؤسسات الدولة مطالبة بأن تكون في خدمة المواطن أولاً وأخيرًا.
---
🟢 خلاصة
لقاء الرئيس قيس سعيّد بوزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر لم يكن لقاءً بروتوكوليًا، بل اجتماعًا يحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، يؤكد من خلاله الرئيس على التزام الدولة بإصلاح المنظومة الاجتماعية والمالية للصناديق، وعلى تطبيق القانون دون استثناء.
إنّ استعادة الثقة في المؤسسات الاجتماعية وتطهيرها من الفساد والتحايل يُعتبر اليوم مفتاحًا أساسيًا لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء تونس جديدة قائمة على الشفافية والمسؤولية.
ورغم التحديات، فإنّ الرسالة التي بعث بها سعيّد واضحة: لا عودة إلى الوراء، ولا تهاون مع من يعبث بحقوق التونسيين، لأنّ كرامة المواطن هي جوهر الدولة الوطنية.
Tags:
أخبار