بوبكر بالثابت عميداً جديداً للمحامين: انتخابات تحسم من الدور الأوّل وتفتح نقاشاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية
فوز من الدور الأوّل بنسبة 57 بالمائة
شهدت الساحة الحقوقية والسياسية في تونس يوم السبت 13 سبتمبر 2025 حدثاً بارزاً تمثّل في انتخاب الأستاذ بوبكر بالثابت عميداً جديداً للمحامين التونسيين للفترة النيابية 2025-2028. وقد حسم بالثابت المنافسة منذ الدور الأوّل بعد حصوله على 2193 صوتاً، أي ما يعادل 57 بالمائة من الأصوات، متقدّماً على ثمانية مترشحين آخرين، ليصبح بذلك العميد الثالث والعشرين للمحامين منذ تأسيس الهيئة سنة 1958.
ويُعتبر هذا الفوز من بين الاستثناءات في تاريخ الانتخابات داخل الهيئة الوطنية للمحامين، حيث نادراً ما تُحسم العمادة من الجولة الأولى. آخر مرة حدث ذلك كانت سنة 2016 مع انتخاب المرحوم عامر المحرزي، وقبله عبد الوهاب الباهي.
دعم مهني وسياسي متنوّع
ما ميّز فوز بالثابت هو التحالف العريض الذي وقف وراءه. فقد اجتمع حوله خليط غير مسبوق من المحامين:
مهنياً: المتمرّنون، محامو الاستئناف، ومحامو التعقيب.
سياسياً: القوميون، اليسار، الإسلاميون، بعض الدستوريين، إضافة إلى ما يُسمّى بـ"الأغلبية الصامتة" من المهنيين.
هذا التنوع في الداعمين يعكس رغبة مختلف الأطراف في تجاوز الاستقطاب السياسي والتجاذبات الحزبية، والتركيز على ما يواجهه القطاع من تحديات مهنية واجتماعية واقتصادية.
خلفيات عدم التصويت لعيادي والهادفي
أثار عدم فوز كلّ من الأستاذ عبد الرؤوف العيادي والأستاذ محمد الهادفي نقاشاً واسعاً، خاصة في الوسط السياسي.
الصحفي منجي الخضراوي أشار في تدوينة مطوّلة إلى أنّ الإسلاميين لم يصوّتوا للعيادي رغم قربه منهم في بعض المواقف، وذلك لسببين رئيسيين:
1. يعتبر جزء منهم أنّ العيادي صاحب هوية يسارية، رغم تقاطعه مع خطاب الإسلاميين في ملفات حقوق الإنسان والحريات.
2. شخصية العيادي الصدامية والرافضة للمناورة السياسية، ما يجعله أقرب إلى شخصيات نضالية مثل راضية النصراوي ومحمد عبو، وهو ما لم يكن في مصلحة الإسلاميين في هذه المرحلة.
أما بالنسبة للأستاذ محمد الهادفي، فرغم احترام الجميع لكفاءته وكاريزمته، إلا أنّه ظل مرتبطاً بـ"مدرسة قديمة" لا تنسجم مع تطلعات الجيل الجديد من المحامين. ويُعرف الهادفي بصرامته الشديدة وحرصه على تطبيق القانون بحذافيره، وهي صفات جعلته يحظى بالاحترام لكن قلّلت من حظوظه الانتخابية.
تحديات مهنة المحاماة في المرحلة المقبلة
فوز بوبكر بالثابت لم يكن مجرد عملية انتخابية داخلية، بل كان أيضاً انعكاساً لأزمات حقيقية يعيشها قطاع المحاماة في تونس. ومن أبرز التحديات التي تنتظره:
القانون الأساسي للمهنة: الذي يحتاج إلى مراجعة وتحيين لمواكبة التطورات.
أوضاع المحامين الشبان: الذين يعانون من ضعف الدخل، غياب التأمينات الاجتماعية، وصعوبة الاندماج في المهنة.
صندوق التقاعد والضمان الاجتماعي: الذي يعيش أزمة مالية خانقة تهدّد استمراريته.
العلاقة مع السلطة القضائية: في ظل وجود محامين موقوفين أو محل ملاحقات قضائية.
تطور المهنة في العصر الرقمي: حيث أصبحت المحاماة تحتاج إلى آليات جديدة تتلاءم مع التحولات التكنولوجية والقوانين الحديثة.
هذه الملفات تجعل من فترة العمادة الجديدة مرحلة حاسمة ومفصلية في تاريخ مهنة المحاماة في تونس.
ردود الفعل: بين الترحاب والحذر
عقب الإعلان عن النتائج في قاعة مدينة الثقافة بالعاصمة، ألقى العميد المنتخب بوبكر بالثابت كلمة قصيرة لكن ذات رسائل قوية، أكّد فيها أنّ:
●"المحاماة التونسية فخر لأبنائها وللمجتمع".
●"رسائل الجلسة الانتخابية العامة كانت واضحة وسألتزم بها".
●"المحامون التونسيون مصممون على تغيير أوضاعهم".
هذه التصريحات لاقت ترحيباً واسعاً في صفوف المحامين الحاضرين، الذين اعتبروا أنّها تعكس توجهاً جديداً يقوم على الإنصات لمطالب القاعدة المهنية. في المقابل، صدرت بعض المواقف الحذرة من سياسيين اعتبروا أنّ التوافق الواسع الذي حصل عليه بالثابت قد يخفي وراءه "صفقات ضمنية"، وهو ما ينفيه أنصاره.
من هو بوبكر بالثابت؟
وُلد الأستاذ بوبكر بالثابت يوم 22 أكتوبر 1970 بمدينة دوز من ولاية قبلي. نشأ في الجنوب التونسي، وزاول تعليمه الابتدائي والثانوي بولاية قابس.
■تحصّل على الأستاذية في الحقوق (قانون خاص) من كلية الحقوق والعلوم السياسية في جوان 1993.
■نال شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة سنة 1994.
■منذ سنة 2005، أصبح محامياً لدى محكمة التعقيب.
■شغل خطة الكاتب العام لهيئة المحامين لولايتين متتاليتين.
■شارك في مهام داخل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ما أكسبه خبرة في العمل المؤسساتي.
مسيرته المهنية والسياسية جعلت منه شخصية وسطية قادرة على الجمع بين مختلف التوجهات، وهو ما انعكس في نتائج الانتخابات الأخيرة.
دلالات سياسية أوسع
لا يمكن قراءة فوز بالثابت بمعزل عن السياق العام في تونس. فالانتخابات جرت في فترة حساسة تتسم بتوترات سياسية واجتماعية، وانقسامات حادة بين النخب.
انتخاب شخصية تحظى بدعم متنوع من أطراف سياسية متناقضة يُعتبر رسالة على أنّ المحامين، كجزء من المجتمع المدني، يفضلون التوافق على المواجهة، ويريدون أن تكون العمادة فضاءً جامعاً وليس ساحة صراع.
كما أنّ وصول بالثابت من الدور الأول يعكس وجود رغبة في الاستقرار داخل المهنة، وتجاوز الانقسامات التي أضعفتها في السنوات الأخيرة.
الخلاصة:
فوز الأستاذ بوبكر بالثابت عميداً جديداً للمحامين للفترة 2025-2028 ليس مجرد تغيير على رأس الهيئة الوطنية للمحامين، بل هو تحول في موازين القوى داخل المهنة، ورسالة سياسية واجتماعية أوسع مفادها أنّ المحاماة التونسية قادرة على تجديد نفسها.
التحديات التي تنتظر العميد الجديد عديدة ومعقدة، لكن الرصيد المهني الذي يحمله، إلى جانب الدعم الواسع الذي حظي به، قد يجعلان من ولايته فرصة لإعادة الاعتبار لمهنة المحاماة ولتعزيز مكانتها كركيزة أساسية في الدفاع عن الحقوق والحريات في تونس.
Tags:
أخبار