منتجة فيلم "صوت هند رجب" تكشف موعد عرضه في تونس: رسالة إنسانية تتجاوز حدود الفن

منتجة فيلم "صوت هند رجب" تكشف موعد عرضه في تونس: رسالة إنسانية تتجاوز حدود الفن

في خطوة فنية تحمل أبعاداً إنسانية عميقة، أعلنت المنتجة المنفذة لفيلم "صوت هند رجب"، سارة بن حسونة رامبورغ، أنّ العمل سيُعرض رسمياً في تونس بداية من 17 سبتمبر 2025، لتكون بذلك تونس أول دولة عربية تحتضن هذا الفيلم الذي أثار موجة واسعة من التفاعل في كبرى المهرجانات العالمية.

الفيلم، الذي أخرجته المخرجة التونسية المعروفة كوثر بن هنية، ليس مجرّد عمل سينمائي تقليدي، بل شهادة حيّة على واحدة من أكثر القصص إيلاماً في الذاكرة الإنسانية المعاصرة، إذ يستند إلى تسجيلات صوتية حقيقية للطفلة الفلسطينية الشهيدة هند رجب، التي لم يتجاوز عمرها خمس سنوات، حين استنجدت بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عبر الهاتف قبل استشهادها مع أفراد عائلتها في غزة مطلع العام 2024.

قصة طفلة هزّت العالم

تعود القصة إلى يوم 29 جانفي 2024، عندما وجدت الطفلة هند نفسها عالقة داخل سيارة تتعرض لوابل من الرصاص من قبل قوات الاحتلال، بعد أن استشهد جميع أفراد عائلتها الذين كانوا معها.

ورغم الرعب المحيط بها، بقيت الطفلة ممسكة بخيط الأمل، متحدثة عبر الهاتف مع الهلال الأحمر الفلسطيني طيلة 3 ساعات كاملة، في محاولة لطلب النجدة وإنقاذ حياتها.

لكنّ النداء لم يجد صداه، إذ عُثر بعد 12 يوماً على السيارة التي كانت تقلها، مثقوبة بالرصاص، وبداخلها جثمان هند رجب مع خالها وزوجته وأطفالهما الثلاثة.

تلك اللحظات المأساوية لم تبقَ حبيسة الأخبار، بل تحوّلت إلى شهادة فنية بفضل فريق سينمائي متنوع جمع بين ديانات وأعراق وجنسيات مختلفة، وحّدهم هدف مشترك: إيصال صوت طفلة صغيرة صرخت "كفى ظلماً" قبل أن تُغتال براءتها.

من البندقية إلى تونس: رحلة فيلم يلامس الضمائر

الفيلم لم يمرّ مرور الكرام في المهرجانات الدولية. ففي الدورة 82 لمهرجان البندقية السينمائي، حاز على جائزة الأسد الفضي، واحدة من أرقى الجوائز العالمية.

وعند عرضه لأول مرة، أحدث "صوت هند رجب" موجة تأثر عارمة، إذ بكى الجمهور وصفّق بحرارة طيلة 23 دقيقة متواصلة، وهو ما يعكس قوة التأثير الإنساني للعمل بعيداً عن الأطر السياسية التقليدية.

المنتجة سارة بن حسونة رامبورغ أكدت في تصريحاتها أنّ الهدف من الفيلم يتجاوز مجرد الترفيه أو المنافسة في المهرجانات، بل هو "محاولة لتسليط الضوء على معاناة شعب بأكمله يواجه خطر الإبادة، واستخدام الفن كوسيلة ضغط إنسانية".

رسالة إنسانية بأصوات مختلفة

من أبرز ما يميز فيلم "صوت هند رجب" أنّه ليس حكراً على وجهة نظر واحدة، بل هو نتاج تعاون فريق عالمي جمع بين ديانات وجنسيات متعددة.

رامبورغ أوضحت أنّ "الفريق بأسره شعر بمسؤولية أخلاقية كبرى تجاه القصة"، معتبرة أنّ الفن يجب أن يكون في خدمة القيم الإنسانية، لا مجرد صناعة للربح أو الشهرة.

وأضافت: "لم نفكر في العواقب أو الضغوط التي قد تواجهنا، لأنّ المسؤولية الإنسانية فوق كل اعتبار. نحن أمام خيارين: إما الصمت والمبالاة بالمصالح الخاصة، أو التمسك بالقيم والدفاع عن الحق. والفريق اختار الطريق الثاني".

الفن كقوة مقاومة

المخرجة التونسية كوثر بن هنية، التي عُرفت بأعمالها الجريئة مثل "على كف عفريت" و*"الرجل الذي باع ظهره"*، قدّمت في هذا العمل نموذجاً مختلفاً من السينما.

فهي لم تكتفِ بتقنيات السرد التقليدي، بل اعتمدت على تسجيلات صوتية حقيقية لمكالمات هند مع الهلال الأحمر الفلسطيني، لتمنح الفيلم قوة مضاعفة وصدقاً نادراً ما نشهده في الإنتاجات السينمائية.

بهذا الاختيار، وضعت بن هنية الجمهور في مواجهة مباشرة مع الواقع، بعيداً عن التجميل الفني أو التلاعب بالدراما، وهو ما جعل الفيلم أشبه بوثيقة تاريخية تُحمل من الشاشة إلى الضمير العالمي.

تونس: محطة أولى في العالم العربي

اختيار تونس لعرض الفيلم أولاً لم يكن صدفة، بل يعكس ارتباط المخرجة ببلدها الأم، ورغبتها في أن تكون انطلاقة الصوت من أرض عربية قبل أن يجوب باقي العواصم.
من المنتظر أن يحظى العرض التونسي بحضور جماهيري واسع، خاصة بعد الضجة الإعلامية العالمية التي رافقت عرض الفيلم في أوروبا.

كما يتوقع أن يشكل الفيلم محور نقاشات ثقافية وفكرية في الأوساط الأكاديمية والسينمائية التونسية، حول دور الفن في مناصرة القضايا العادلة، وكيف يمكن للسينما أن تتحول إلى أداة مقاومة ناعمة، قادرة على تحريك الرأي العام الدولي.

بين التراجيديا والأمل

رغم قسوة القصة وما تحمله من مآسي، فإن فيلم "صوت هند رجب" يفتح الباب أمام الأمل في أن تصل أصوات الضحايا إلى العالم.

هو تذكير بأنّ الطفل، مهما كان صغيراً، يمكن أن يهزّ الإنسانية بأسرها بصوته البريء، وأنّ الفن يمكن أن يكون وسيلة لتخليد الذكريات، وتحصين الذاكرة الجماعية ضد النسيان.

الخلاصة 

يأتي عرض فيلم "صوت هند رجب" في تونس ليعيد التأكيد على أنّ السينما ليست مجرد ترفيه، بل هي سلاح ناعم قادر على مواجهة الظلم ورفع الصوت عالياً ضد القمع.

وبينما يستعد الجمهور التونسي لمشاهدة العمل في 17 سبتمبر، يبقى صدى صوت هند رجب، الطفلة التي واجهت الموت بشجاعة، محفوراً في الذاكرة الإنسانية، يذكّر الجميع بأنّ القيم الإنسانية لا تُقاس بالانتماءات، بل بالقدرة على قول "لا" في وجه الظلم.
أحدث أقدم